AR

Translate:

Okeen.net
Okeen.net
  • مار اشعياء الحلبى

      

    يعتبر هذا القديس من أكثر تلامذة مار أوجين ممن نال شهرة واسعة في بازبدى
    هو ابن سوماكس حاكم حلب، تربّى منذ صباه على حب الفضيلة والإيمان فتعلّم مبادئ المسيحية واللاهوت. طلب والده أن يزوّجه فرفض مبديا" رغبته بالعزوف عن مغريات الدنيا الفانية. غير أنّ والده أصرّ عليه وخطب له (حنّة) ابن وزيره (نعمان) وأقام له حفلة زفاف استمرّت سبعة أيّام بلياليها. وبعد الإكليل دخل أشعيا حجرة خطيبته وهو مصمم أن يقنعها بوجهة نظره. فبدأ يمهّد لها للإعلان عن رغبته قائلا": هل تذكرين يوم التقينا على بئر الماء و ناديتني (يا أخي) وقلت لك أنا (يا أختي)؟ فقالت حنّة: أجل،أتذكّر. فقال أشعيا: هل يوجد أجمل من أن تجمعنا أخوّة السيد يسوع المسيح؟ فأنت ستبقين خطيبتي بالرب يسوع المسيح، ثم كشف لها عن نواياه الروحية، ورغبته في النسك والعبادة، فقبلت خطيبته واقتنعت بفكرته. فقال لها: أعطني خاتمي وخذي خاتمك. وودع كل منهما الآخر. وقبل أن يفترقا قالت له حنّة: أرجو يا أخي أشعيا عندما يوحي إليك ربّك عن نهاية حياتي ألاّ تتردد في ذلك. فوعدها خيرا". ورجاها ألاّ تخبر والديه حتى الصباح. وافترقا على سلام وهي تقول له: الرب معك يا أخي أشعيا. وسار راجلا" حتى وصل نهر الفرات ليلا" فنام، وعند الصباح نهض وبدأ يسير على الماء- بقوّة الله- فوصل تل كوكب بالقرب من مدينة الحسكة السورية، فنام ليلته على ضفاف نهر الخابور، وفي الصباح أتمّ سيره حتى وصل مدينة نصيبين فمكث فيها أربعة أيام ثمّ سار إلى قرية (انحل) فبقي فيها أربع سنوات يتعبّد في صومعة ابتناها لنفسه، ثمّ قصد القديس مار أوجين في جبل الأزل، ونشأت بينهما مودّة صادقة وبقي عنده سنتين ثمّ توجّه إلى قرية الوردية، وكان يحكمها (كوش) الملك الفارسي الذي لم يرزق ولدا" فأهدته أخته أحد أولادها واسمه (مهنوش) فربّاه الملك وأحبّه حبّا" جمّا". غير أنّ هذا الولد توفي اثر مرض عضال فحزن عليه الملك حزنا" شديدا" ، ورمى التاج من رأسه وجلس أرضا" يندب حظّه، وأراد أحد المسيحيين هناك أن يواسيه فقال له: لا تحزن يا سيدي. فهنا في مدينتك القديس مار أشعيا له القدرة أن يحيي ولدك، فسخر منه الملك قائلا": كيف يستطيع أن يحيي ميتا" مدفونا" تحت التراب منذ يومين؟ فقال له ذاك: جرّب يا سيدي.
    فأرسل الملك يطلب القديس، وعندما حضر مار أشعيا حاملا" صليبه، حيّا الملك وقال: ماذا تريد أيّها الملك؟ فأجابه: إنّ ابني الوحيد توفّي منذ يومين. وقد قيل لي بأنّك قادر على إحيائه. فقال أشعيا: سوف أطلب من الهي بأن يعيد إليه حياته. ثمّ قصد أشعيا برفقة الملك إلى القبر. وبدأ القديس يصلّي بخشوع قائلا": اللهمّ إنّك قادر على كل شيء أنت الذي أقمت لعازر. أظهر اليوم عجائبك ليؤمن بك هؤلاء الأقوام وما إن أنهى القديس صلاته، حتّى رأى الأحجار تتدحرج عن باب القبر، ونهض مهنوش المائت من قبره. فاستولت على الملك حيرة وبكى من شدّة فرحه وهو يصيح (آمنت بإلهك يا أشعيا) ثم طلب منه القديس أن يزيل مراكز العبادة الوثنية فلبّى الملك طلبه. وبنى كنيسة على اسم القديس. وآمن الملك ورعاياه واعتمدوا حيث بلغ عددهم/3600/ثلاثة آلاف وستمائة إنسان. وسأل الملك ابنه كيف أمضى هذين اليومين وهو مائت. فقال الولد: يا أبت وجدت عبدة الأوثان كلهم في هوّة سحيقة مظلمة. أما المؤمنون فقد وجدتهم يختلطون مع الملائكة يسبّحون الله. كما وجدت هذا الرجل البار أشعيا وهو متسربلا" نورا" عظيما" وجاء إلى الملك السماوي يطلبني منه بإلحاح فرضي الله وأعادني إلى الحياة.
    ارتحل القديس بعدها إلى بازبدى (آزخ) يرافقه راهب فاضل اسمه (شابو). وبينما كان يصلّي بالقرب من نبع ماء هناك مرّت جنازة ابن حاكم بازبدى (الملك موريق) الروماني ، فقال أشعيا للمشيّعين: إنّ الله قادر على إحيائه. فلمّا طرق مسامع الملك هذا الخبر. استدعى القديس وقال له: هل يستطيع أحد أن يحيي ميتا"؟ فأجابه القديس: إنّ الله قادر على كلّ شيء ، وطلب منه الملك أن يعيد ابنه إلى الحياة. فصلّى القديس بخشوع وما أن وضع الصليب على جثّة الميت حتّى قام على الفور. وبدأ يتكلّم، فأخذت الجميع حيرة وتعجّبوا ونادوا قائلين: لا اله إلاّ اله أشعيا. وسرّ الملك وحاشيته. ثمّ طلب منه أشعيا أن يهدم كل بيوت الأوثان في المدينة. فنفّذ الحاكم رغبته، وأشاد كنيسة على اسم القديس على أنقاض هياكل الأوثان. ثمّ توجّه الملك وما أشعيا إلى موقع آخر في بازبدى وهناك ضرب القديس الأرض بعصاه فنضحت ماء، وتوافدت الجموع لتقتبل سرّ العماد المقدّس من تلك المياه الطاهرة. وكان في مقدّمتهم حاكم المدينة، ثم بقي في بازبدى (آزخ) مدّة عشر سنوات غادرها متّجها" إلى قرية (انحل) ومكث فيها نحو ست سنوات تمكّن خلالها من أن يعمّد /630/ نفسا" اهتدوا جميعا" إلى الدين المسيحي. ثمّ توجّه إلى دير القديس مار أوجين. وهناك حفر بئرا" على ضفّة نهر الهرماس (الجقجغ) فأصبح ينبوع شفاء للمرضى والمدنفين. وبقي هناك تسعة أشهر أمضاها في أعمال البرّ والقداسة والتقشّف الزائد، انتقل بعدها إلى رأس الجبل وحبس نفسه في صومعة صغيرة ابتناها لنفسه، وذات يوم جيء برجل يصرعه الشيطان وشرب هذا الرجل من تلك البئر فنال الشفاء وسمع الحاضرون صوتا" يقول: ( آه يا أشعيا أتيت لتطردني من كلّ مكان) أما الرجل فبدأ يصلّي ويطلب من القديس بإلحاح أن يقبله تلميذا" لديه. فوافق القديس حيث بدأ يروّضه على أعمال البرّ والقداسة حتّى وثق منه، فأوكله أمر القيام بالصومعة.
    وتوجّه القديس لزيارة الأراضي المقدّسة في فلسطين، وعند وصوله نهر الفرات لم يشأ أن يعبره مشيا" على الأقدام كما فعل في السابق وذلك لكي لا تأخذه نشوة الافتخار بنفسه. فيرتكب إثما" بل أراد أن يركب القارب الذي كان الناس يدخلون إليه. وعندما همّ قائد المركب بجمع الأجرة من الركاب، اغتاظ من منظر القديس وهو بتلك الثياب الرثّة والممزّقة، فأمسك بيده ورماه في النهر. لكن القديس انتصب على الفور وبدأ يقطع النهر مشيا" على الأقدام. أما المركب فقد عصفت به رياح شديدة كادت أن تغرقه، فارتعب الركاب وزاد صياحهم وصراخهم ولشدّ ما كانت دهشتهم وهم يتطلّعون إلى القديس وهو يمشي بقدميه على سطح الماء فاستنجدوا به صارخين: (يا قديس الله أنقذن، لقد سقط الملاّح في النهر وكدنا أن نغرق). فطلب القديس من الله قائلا": (يا رب، لا تهلك هذا الشعب بسببي) فسكنت الريح واستقرّ المركب. وما هي إلاّ لحظات حتّى اختطفته الملائكة ولم يشعر إلاّ وهو على أبواب مدينة حلب، ولم يشأ الدخول في بادئ الأمر، خشية أن يراه والده الملك وهو بتلك الثياب الممزّقة، وتذكّر خطيبته عندما وصل النبع الذي التقى عنده بخطيبته لأول مرّة، ثمّ أوحي إليه بأن خطيبته سوف تفارق الحياة، فقصد الدير الذي كانت تقيم فيه، حيث أنّها هي الأخرى هجرت الدنيا بعده و ترهبنت، وحافظت على عفّتها وطهارته، تمارس أعمال القداسة متقشّفة إلى أن دنا أجله، وفي دير الراهبات ركع القديس أمام الإنجيل يطلب من الله أن يريه خطيبته ليودّع كل منهما الآخر الوداع الأخير، وأوحي إلى القديسة حنّة بأن ثمّة رجلا" يرتدي ثيابا" ممزّقة يجثو أمام الإنجيل. وتريد أن تراه لتودّعه. فجاءت رئيسة الدير وأخبرت أشعيا قائلة: إنّ حنّة تناديك. فجاء القديس ورأى خطيبته حنّة وهي تناديه: أقبل بسلام يا حبيبي وخطيبي الطاهر البتول. ثمّ ودّع كلّ منهما الآخر، وملأت أجواق الملائكة رحاب الدير بأشعة من نور، وكان القديس ينظر إلى حنّة وهو يجهش بالبكاء. والدموع تتقاطر من مآقيه كالوابل المدرار. أما رئيسة الدير فعندما عرفته، سقطت على رجليه وهي تطلب إليه أن يصلّي من أجله، فطلب القديس عدم إشاعة خبر وجوده حتّى يخرج من المدينة، وانتشر خبر وفاة القديسة حنّة فتقاطرت الجموع لتشييع جثمانها الطاهر يتقدّمهم سوماكس حاكم المدينة وحاشيته، وكان القديس أشعيا يسير مع الجنازة وهو يذرف الدموع بحرقة وتوجّع مما أثار انتباه الجميع. غير أنه لم يعرفه أحد منهم لكثرة ما كان قد أصابه من ضعف ونحول وتغيير في لون بشرته. وبعد دفن القديسة دعا الحاكم إلى وليمة كبيرة اجتمع إليها 2000 شخص من الفقراء والمساكين وبينهم القديس أشعيا. وفي تلك الليلة انتهز القديس حلول الليل فغادر المدينة إلى الديار المقدسة.
    أما الحاكم - والد أشعيا- فقد خصّص ذهبا" كثيرا" وزّعه على الفقراء لراحة نفس حنّة. وطلب أن يخصّص ذلك الرجل الذي كان يسير في الجنازة مرتديا" ثيابا" رثّة بمبلغ كبير. غير أنّه لم يعرفه أحد، وعندما سأل رئيسة الدير عنه. بكت أمامه قائلة: (إنّ ذلك الرجل هو أشعيا ابنك، إنّه كان يبكي حنّة خطيبته، وقد حضر الدير بعد أن خطفه الروح القدس لكي يودّعها الوداع الأخير) ثمّ أعلمته بأنّ أشعيا سافر ليحج الديار المقدسة، وما أن سمع الملك حتى وقع مغشيا" عليه من شدّة التأثير، ثمّ أرسل قوّاته للبحث عن ولده وإحضاره إليه، فتوزّعت القوات على كافة الطرق تبحث عنه لمدّة ثلاثة أيّام. تراءى بعدها أشعيا لوالده في الحلم ليقول له: ( يا أبت.. لا تتعب نفسك بالبحث عنّي، لأن أمر الله ألاّ نلتقي أنا وأنت في هذا العالم، لكن لأجل إحسانك على الفقراء فإنّ الله سيكافئك في الآخرة، وبعد مضيّ سنتين سنلتقي أنا وأنت، ليس في هذا العالم، لكن في حضرة السيد المسيح، والآن يا أبت، لتعد قوّاتك إلى مراكزه، أما أنت فاستمر في عمل الخير) واستيقظ الملك مرعوبا" من حلمه، وأعاد قوّاته إلى مواقعها.
    أما أشعيا فبعد خروجه من حلب، اختطفه الروح القدس إلى الديار المقدّسة، وبعد أن أتمّ واجباته الدينية، أراد العودة إلى صومعته فاختطفه الروح القدس، ووصل نهر الهرماس، فوجد تلميذه الذي أخرج منه الروح النجس يصلّي ، فابتنى كل منهما لنفسه صومعة، وزار القديس مار أوجين للمرّة الثانية، وتوفي القديس في منتصف تشرين الأول وعمره /91/ سنة وعيّدت له الكنيسة.