تلاميذه

مار يادت السكندري

كان يوجد رجل أرخن موقّر من كبار مدينة الإسكندرية اسمه «يسطس»، كان بارًا تقيًا يصنع وصايا الله وأحكامه. وكانت زوجته «بريسكلا» تصنع رحمة مع الغرباء والمساكين.

أعطاهما الله ابنًا وسمّياه «يادت»، وفرحا بميلاده فرحًا عظيمًا، وصنعا وليمة عظيمة للفقراء والمساكين، وأيضًا للآباء الكهنة والشمامسة، وجميعهم باركوا الصبي.

نشأته

تعلّم الصبي كتب البيعة منذ نعومة أظفاره، وكان معلّمه معجبًا بذكائه وفطنته واتضاعه، فأحبه حبًا جمًّا، وأعطاه حجرة صغيرة بجوار مكتبه. فكان يجلس فيها وحده يدرس الكتب المقدسة ليلًا ونهارًا، ويصوم فيها وحده إلى المساء، وكان يعطي طعامه للمساكين والفقراء.

كان يادت بسيطًا في مأكله ومشربه ومفرشه، وكانت الدموع تنهمر من عينيه، وعندما يسأله أصدقاؤه عن ذلك يجيب: «يوجد ألم في عيني». وأقام في ذلك المكان ثماني سنوات أحكم فيها دراسة الكتب المقدسة والسهر في الصوم والصلاة.

رهبنته

أتى إلى مدينة الإسكندرية راهب من دير الأنبا باخوم، كان من جنس الشاب يادت، وفرح جدًا عندما رأى نعمة الله حالّة على يادت، فتحدث معه عن الرهبنة وطريق القديسين.

ألحّ يادت على والديه ليمضي مع هذا الأب ليحيا حياة الرهبنة مع السيد المسيح. ولأن والديه كانا فاضلين يعيشان في مخافة الله، استجابا لطلبته قائلين له: «السيد المسيح يسهّل طريقك ويعينك، ويعزّي قلوبنا نحن، ويبرّد ألم فراقك».

ففرح يادت جدًا وسافر مع الأب الراهب. وعندما وصلا إلى الدير فرح رئيس الدير جدًا برؤيته، وعندما رأى نعمة ربنا يسوع المسيح تتزايد عليه رسمه راهبًا.

كان يادت يقوم بالخدمة الإلهية ويعمل كل شيء يليق بالطريق الرهباني، فكان يسهر طول الليل في الصلاة، ويأكل رغيفًا واحدًا في الأسبوع يوم الأحد، وأقام على هذا الحال ثلاث سنوات.

الانضمام إلى جماعة القديس مار أوكين

في أحد الأيام ذهب إلى رجل شيخ بار اسمه «أنطونيوس»، فلما رآه قال له: «تعالَ بسلام يا ابن ملك السلام، والسلام لك ولتلك الجماعة التي تريد أن تصحبها». وقد كان الراهب يادت في الحقيقة يريد أن ينضم إلى تلاميذ القديس مار أوكين المصري.

فقال يادت للشيخ: «صلِّ من أجلي يا أبي، فأنا أشتهي أن أمضي إلى بلاد الشام والعراق مع جماعة القديس أوكين». فبسط الشيخ يده وباركه قائلًا: «إله آبائك يكون معك ويقويك ويكمّل إرادتك».

لما سمع رئيس ديره ذلك صعب عليه الأمر جدًا، مثل أب حقيقي لابن حقيقي. وبعد أن صلّى الأب يادت مع الإخوة قداس يوم الأحد تبارك منهم، وكانوا جميعًا يبكون متوجعين لفراقه.

وفي طريقه إلى بلاد الشام كان يرى ملاك الرب يتقدّمه وفي يده سيف نار. وفي طريقه صلّى إلى الله ليرفع الوباء عن مدينة حاران، فآمن جميع أهلها بالسيد المسيح.

شفاء ابن نائب ملك الفرس

اشتهر بالتقوى والفضيلة بين تلاميذ القديس مار أوكين، وكان يكرز دائمًا بالسيد المسيح. وفي أحد الأيام تآمرت جماعة من اليهود على المسيحيين عند نائب ملك الفرس قائلين: «النصارى شعب ضال، يقولون إن يسوع المسيح إلههم يقيم الموتى، لكن نحن اليهود كنا قد صلبناه ومات على الصليب ولم يقدر أن يخلّص نفسه».

فأقام نائب الملك اضطهادًا على المسيحيين، وحدث ذعر في المدينة. فتقدّم إليه يادت، فلما رآه نائب الملك قال له: «من أنت؟». فأجابه: «أنا راهب إسكندراني أعبد يسوع المسيح». قال له النائب: «أحقًا تصنع قوات باسم إلهك؟!». أجابه القديس: «نعم، للذين يؤمنون باسمه. فكيف تريد أنت أن تبصر آياته ولا تريد أن تؤمن به؟!». فأجاب النائب: «إن شفيت ابني من مرض البرص أؤمن، وأرفع من مكانة كل الذين يؤمنون باسمه».

فأمر القديس بإحضار الغلام، وصلّى عليه ورشمه بعلامة الصليب، فشُفي في الحال. وصنع القديس آيات وعجائب كثيرة باسم المسيح حتى آمن كثيرون باسم السيد المسيح.

نياحته

بعد جهاد عظيم أسلم روحه الطاهرة، واجتمع الآباء الرهبان والقسوس والشمامسة وكفّنوه بالمزامير والتسابيح، وكان ذلك في اليوم السابع والعشرين من تشرين الأول.

بركة صلواته فلتكن معنا. آمين.

المراجع

  • سيرة مار يادت السكندري، من سير تلاميذ القديس مار أوكين