سيرته

مدينة نصيبين

إن مدينة نصيبين التاريخية، الخامدة اليوم تحت نصيبين الحالية، تشبه ذلك البركان الكبير الذي كان هائجًا دائمًا وخمد في أواخر الأيام، بل كانت نجمًا ساطعًا في أعالي السماء تراه كل الشعوب وتكتب عنه. وقد شغلت دائمًا القوى الكبرى التي كانت تسيطر على مساحة كبيرة من العالم: الفارسية والرومانية والبيزنطية، والعربية لاحقًا.

عندما بدأت في جمع المعلومات عن تاريخ مدينة نصيبين، حاولت أن أسترجع ما مرّ بي خلال السنوات الماضية من خلال قراءتي لكتب التاريخ، وحاولت نبش بعض هذه الكتب (تاريخ مار ميخائيل السرياني الكبير، وتاريخ كنيسة المشرق)، وإذا بمدينة نصيبين لها نصيب الأسد، ولها دائمًا حضور على الساحة السياسية والاقتصادية والدينية.

أعمدة قائمة من آثار نصيبين القديمة قرب الحدود السورية التركية

الشاهد المتبقي من مدينة نصيبين، كما تلاحظون في الصورة، وخلفه الأسلاك الشائكة التي هي خط الفصل بين سوريا وتركيا. وهذه الأسلاك قديمة، وحاليًا هناك شبكة حديثة من الأسلاك مع أبراج مراقبة من الناحية السورية. وقد التُقطت هذه الصورة من مدينة نصيبين باتجاه مدينة القامشلي، وعلى بعد ١٠٠ متر من هذا الشاهد نرى «البدن»، وهو كما يقول البعض من آثار نصيبين التاريخية.

تاريخ المدينة

إن مدينة نصيبين عريقة في القدم، وجاء اسمها في الأسفار الإلهية. وذُكر الموقع الجغرافي لنصيبين للمرة الأولى على لوح مسماري محفوظ في المتحف البريطاني بلندن، في سياق الحديث عن حروب دارت سنة ٦١٢ ق.م. بين الآشوريين من جهة والميديين من جهة ثانية.

وكان اليونان يدعونها أنطاكية مجدونية (Antiochia Mygdonia)، وربما سمّاها السريان أنفسهم بهذا الاسم، لكن اسمها الخاص عند السريان «صوبا» أو «نصيبين»، وهو مشتق من «نصو» ومعناه نَصْب أو غرس، وقد دُعيت بهذا الاسم لكثرة ما فيها من البساتين والجنان. وقال عنها مار أفرام النصيبيني إنها هي «أكّاد» المذكورة في سفر التكوين، ويُنسب تأسيسها إلى نمرود الجبار.

وهي، كالرها، محطة قوافل ومركز تجاري مرموق وبقعة زراعية خصبة. وكانت نصيبين عاصمة لمملكة وطنية حتى جدّدها سلوقس الأول نيقاطور ودعاها أنطاكية مجدونية، وتنازع عليها الرومان حتى أصبحت في أيديهم منذ سنة ٢٩٧م، فجعلها ديوقليتيانوس (٢٨٤–٣٠٥م) قلعة الشرق الحصينة، ومقرًا لقائد بلاد ما بين النهرين (Dux Mesopotamiae).

وتقع مدينة نصيبين على سفح جبل إيزلا، حيث تلتقي الامتدادات السهلية بجبال طوروس من الجهة الجنوبية لتركيا الحالية. وكما قال يومًا أبو نواس:

طابت نصيبينُ لي يومًا فطبتُ لها … يا ليت حظّي من الدنيا نصيبينُ

وكانت المدينة مرتبطة بطريق مهم يصلها بالرها وحدياب (أربيل) فأرمينيا باتجاه الشرق، وبسنجار والحضر في الجنوب الشرقي، وبميسان حتى الخليج والهند في الجنوب، وبمنبج فالشام إلى الغرب، وبتدمر. وكل ذلك يشكّل دليلًا على أهمية مدينة نصيبين التجارية والاقتصادية.

ويسقي أراضي نصيبين نهر الجغجغ، الذي ينحدر من نبعين في جبل طور عبدين في تركيا، مارًا بمدينة نصيبين، مجتازًا مدينة القامشلي، مستمرًا في جريانه حتى التقائه بنهر الخابور في مدينة الحسكة، وهو الرافد الأساسي لنهر الخابور، وطوله في سوريا ١٠٠ كم. وقد عُرف نهر الجغجغ في العهد الروماني باسم «ميجدونيوس»، أما العرب فأسموه «الهرماس» – وهو النهر الذي سكن القديس أوكين وتلاميذه بجواره كما تروي سيرته – ولكن بناء سد عليه في تركيا خفّض مياهه جدًا.

انتقال نصيبين إلى أيدي الفرس

الحروب المتتالية بين الفرس والروم أبقت كثيرًا من الحواضر والمدن الفراتية خرابًا. وعندما نظّم الروم صفوفهم تحت راية فكرية جديدة هي المسيحية، ترك ذلك أثرًا في نفس سابور الإمبراطور الفارسي، وأثناء مفاوضاته مع ملك الروم خاطبه قائلًا: «إنكم خرّبتم بلادنا وأفسدتم فيها، فإما أن تعطونا قيمة ما أهلكتم، وإما أن تعوّضونا نصيبين». وقد حصل الفرس على نصيبين ورضوا بها تعويضًا عما أنزله الروم بهم من خسائر. ولم يرضَ الفرس أن يبقى في نصيبين أي ساكن من قِبل الروم، بل شرّدوهم ليجعلوا منها خط الدفاع الأول عن الإمبراطورية، ونقلوا إليها حوالي اثني عشر ألف بيت.

وهجر كثير من سكان نصيبين مدينتهم قبل أن يتسلّمها الفرس إلى آمد والرها، وكان بينهم مار أفرام، الذي سيحنّ إلى مدينة نصيبين، فيقدّم لها المعونة إبان مجاعة سنة ٣٧٢م. وانتقلت معه مدرسته بأكثر أساتذتها، فأعاد تنظيمها وبقي في إدارتها، فنالت شهرة واسعة جدًا، وعُرفت في التاريخ باسم «مدرسة الفرس» (لأنها كانت في الأصل مدرسة نصيبين التي استحوذ عليها الفرس).

وكانت السنوات العشر الأخيرة من حياة أفرام، التي قضاها في الرها بين النسك والتعليم والتأليف، هادئة مطمئنة، فأكمل مجموعاته الشعرية وشروحه على الكتاب المقدس، وقام بتسفيه الهرطقات الشائعة. وبقي يمانع تواضعًا في قبول درجة الكهنوت، فظل شماسًا إنجيليًا طوال حياته.

المسيحية في نصيبين

المسيحية قديمة في مدينة نصيبين، وأهم شاهد قديم عليها نقش أبركيوس المكتوب نحو سنة ٢٠٠م. وقصة المسيحية فيها مرتبطة بقصة مار توما الرسول، وأدّي، وأجّي، والرسول مار ماري.

ويؤكد إيليا برشينايا في تاريخه أن مار يعقوب بنى كنيسة نصيبين الكبرى، واستغرق بناؤها سبع سنوات، وإليه يُعزى تأسيس مدرستها وإنقاذها من حصار الفرس سنة ٣٣٨م. ومنذ القرون الأولى غدت نصيبين أبرشية كبرى (متروبوليطية) من أبرشيات كنيسة المشرق، واستمرت كذلك حتى العصور المتأخرة.

وكانت تضم منطقة بيت عربايي الممتدة إلى أبواب الموصل، مع بلاد أرمينيا. ومن الأسقفيات التابعة لهذه الأبرشية كانت ثلاث في المنطقة التابعة للمغول، وهي: سنجار، وبيت زبدى (جزيرة ابن عمر)، وبلد وجلسونة، وقد ورد ذكرها حتى سنة ١٣١٨. وهناك لائحة ترقى إلى سنة ١٦٠٧ تعدّ سبعة أديرة تابعة لمنطقة الجزيرة، وهي أديرة: يوحنا النحلي، وفنحاس، وآحا، ويونان، وإسحق، ويوحنا الكمولي، ويوحنا المصري.

وقد تميّزت نصيبين بأنها المدينة الحدودية في الماضي كما في الحاضر؛ فقديمًا كانت تمثل الحدود الفاصلة بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، وحديثًا صارت على الحدود التركية السورية. ويربط المؤرخون تسمية اللغة السريانية بالشرقية والغربية بوقوع البلاد السريانية شرق نصيبين وغربها.

نصيبين في العصر الإسلامي

فتحها المسلمون في القرن السابع، حين دخلها عياض بن غنم سنة ٦٤٠م. وقد تغيّرت المعادلات السياسية والعسكرية في منطقة نصيبين وديار الجزيرة الفراتية بعد أن دخلتها جيوش العرب المسلمين، الذين أصبحوا القوة الثالثة إلى جانب الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، فعيّنوا على ديار الجزيرة عمّالهم. وأصبحت نصيبين هدفًا لمن يطمحون إلى دويلات مستقلة عن الخلافة لبعدها عن مركزها، فكثرت فيها الثورات، وأصبحت ملجأً للناقمين على الخلافة المركزية، مما أدى إلى تغيّر نظام الحكم فيها مرارًا.

إلا أن سكان الجزيرة بقوا على المسيحية، لكن فُرضت عليهم الجزية التي أحرجت وجهاءهم، لذلك فاوضوا الخليفة عمر بن الخطاب بعد أن هدّدهم بالنفي والسبي.

ويُذكر أنه كان في نصيبين والٍ يُدعى إسحق بابك، معيّن من قِبل زنكي، خشي أن ينتقم منه زنكي لسبب أو لآخر، فأمر بأن تُهدم جميع الحصون في ولايته التي لا تقوى على الصمود أمام زحف زنكي، فدمّر حصن حور عبرا، وتل بسما المدعو باسم توما، وحصن تللا، والقلعة المجاورة لدير مار حنانيا المعروفة بقلعة المرأة. وعندما حاولوا هدم سور نصيبين فشلوا في زعزعة البناء القديم لمتانته، فأخلوا القلعة.

وكان الحد الفاصل بين البيزنطيين والساسانيين خطًا يمرّ من ميافارقين، وهي «مدينة الشهداء»، إلى دارا ونصيبين وقرقيسيا، ومنها يمتد مستقيمًا حتى خليج العقبة.

كما أن مدينة القامشلي التي أُقيمت في الجانب السوري المقابل لها في العقد الثاني من القرن العشرين، لاستيعاب النازحين من أهالي نصيبين والقرى المجاورة لها الذين هربوا من البطش العثماني، تُعرف لدى السريان باسم «نصيبين الجديدة».

المراجع

  • تاريخ مار ميخائيل السرياني الكبير
  • تاريخ كنيسة المشرق
  • إيليا برشينايا، التاريخ