القديس ميلس وإقامة الشاب الذي افترسه الأسد
«مشتركين في احتياجات القديسين» (رو ١٢: ١٣)
جاء من مدينة القدس رجل قديس اسمه «ميلس»، وكان قد سمع بالقديس مار يعقوب. فلما رآه قد ابتدأ في بنيان البيعة اقترض ثلاثمائة دينار من تجار أهل بلده وأعطاها للقديس مار يعقوب بركة في بنيان البيعة، لأنه كان يعلم أن القديس لا يملك شيئًا سوى عصاه وإنجيله.
وبعد ذلك صعد القديس ميلس لينظر القديس مار أوكين، وكان صعوده موافقًا يوم أحد حيث الإخوة مجتمعون مع أبيهم الروحي. وتبارك الإخوة من القديس ميلس، وبعد أن تبارك القديسان من بعضهما بعضًا قال القديس مار أوكين: «السلام لك يا رجل الله القديس ميلس، لأنك لا تُرائي الناس، فإنك سوف تمضي إلى المشرق وتوبّخ البطريرك بابا المشرق على أخطائه، وهو لا يقبل توبيخك».
فأجابه القديس ميلس قائلًا: «السلام لك أيها الشيخ الوقور القديس مار أوكين، الذي نظرت الحية الملعونة التي قامت على البيعة، ونظرت هلاكها وهلاك أولادها أيضًا». فقال له القديس مار أوكين: «من أين عرفت يا أخي هذا الذي قد رأيته أنا؟!». فأجابه القديس ميلس: «الذي أظهر لك هذا يا أبي أظهره لي أنا أيضًا».
القديس مار أوكين يتنبأ للقديس ميلس
التفت القديس مار أوكين إلى القديس ميلس وقال: «طوباك يا أخي، لأنه قد وصل الزمان الذي تصير فيه ذبيحة لله وشهيدًا من أجل اسم ربنا يسوع المسيح في بلاد الفرس. إنك مثل بولس الرسول المبشّر العظيم الذي قدّم نفسه شهيدًا في يدي نيرون المنافق، فسوف توبّخ المنافقين، وتشهد لسيدك، وتأخذ إكليل الشهادة».
أقام القديس ميلس يومين عند الإخوة القديسين في الدير، وصلّوا المزامير مع بعضهم بعضًا، ثم ودّع الشيخ الوقور مار أوكين وكل الإخوة القديسين الذين انفجروا باكين عليه. فقال لهم: «صلّوا لأجلي ليجعلني الرب أستحق أن أراكم أمام كرسي مجده، لأني لا أراكم دفعة أخرى في هذه الحياة». فتمزّقت قلوب الإخوة من هذا الكلام وتألموا ألمًا عظيمًا. فقال لهم القديس مار أوكين: «جاهدوا يا أولادي لترثوا الحياة. فانظروا كيف بشجاعة ونشاط وفرح بالسيد المسيح يمضي القديس ميلس ليتألم من أجل سيده ربنا يسوع المسيح، ويقدّم نفسه ذبيحة حب، وينال الشهادة من أجل اسمه».
«يعمل الآيات والعجائب في السماوات وفي الأرض» (دا ٦: ٢٧)
دعا القديس مار يعقوب القديس مار أوكين ليشترك معه في صلاة تكريس دير جديد قد بناه. وفيما كان القديس مار أوكين وتلاميذه سائرين على شاطئ نهر دجلة، وجد صبيًا على النهر يبكي، ويرفع التراب على رأسه تارة، ويضرب صدره بالحجارة تارة أخرى. فأمسك القديس يده وقال له: «لماذا يا ابني تفعل هذا؟ لا تقتل نفسك. قل لي من أين أنت، وما هو سبب بكائك؟».
أجاب الصبي: «كيف تساعدني وأنا صبي يتيم ليس لي أب، وأمي امرأة عجوز لا تستطيع القيام، وأنا كما تراني صبي صغير لا أقدر على العمل؟ وجئت لأساعد أخي الكبير في قطع قليل من خشب هذا الغاب، فخرج سبع وخطف أخي الكبير، ورأيته بعيني يرفعه ويخبطه في الأرض، وأخيرًا أخذه في فمه ودخل في هذا الغاب. وأنا أريد أن أقتل نفسي على فراق أخي، وكيف رأته عيني يموت. ماذا أقول لأمي؟! موتي خير من حياتي، اتركني أقتل نفسي».
قال له القديس: «ألم يكن بجوارك أحد؟». فأجابه الصبي قائلًا: «كان يوجد راعٍ، عندما رأى ذلك جرى إلى القرية ليخبرهم، ويأتي أهلها وينقذونني».
تألم القديس جدًا من كلام الصبي وجرت دموعه، وقال: «تعالَ يا ابني، أرني الموضع الذي دخل فيه السبع». فمضى الصبي قدّام القديس بسرعة، لأنه كان متلهفًا أن يبصر جثة أخيه. وجاء الصبي والقديس وتلاميذه حيث كان السبع والشاب مطروحًا على الأرض أمامه. وفي تلك اللحظة خاف السبع وهرب، وجرى الصبي الصغير ووقع يبكي على جثة أخيه بكاءً مرًا.
وكان القديس مار أوكين يبكي أيضًا ويمسح دموع الصبي بثيابه. وكل الإخوة عندما رأوا الشاب ميتًا، والسبع قد نهش أجزاء من جسمه، توجعت قلوبهم وبكوا بكاءً عظيمًا.
القديس يقيم الشاب
طلب القديس مار أوكين من الإخوة أن يتضرعوا إلى السيد المسيح ليُرجع حياة الشاب، من أجل حنانه على أمه العجوز وعذاب نفس أخيه الصغير. ووقف القديس يتضرع ويصلي قائلًا: «يا ربنا يسوع المسيح، الكثير الرحمة، وكنوز رحمتك لا تفرغ، الكثير التحنن على جبلتك. عندما رأيت الأرملة تبكي تحنّنت عليها وقلت لها: لا تبكي، وأقمت ابنها ومسحت دموعها دون أن يطلب منك أحد. فالآن يا سيدي، ليس من أجلي أنا الخاطئ، لكن من أجل تحنّنك على هذا الصبي الذي قد صار وحيدًا وليس له معين سواك، واختار الموت أكثر من الحياة، ومن أجل تحنّنك على أمهما الأرملة العجوز المسكينة التي لا تستطيع الحركة، لئلا يدركها ويل على ويل، ردّ حياة هذا الشاب ليتمجد اسمك القدوس. فإن لك المجد والإكرام والعزة والسجود، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين».
ففتح الشاب الميت عينيه، ونظر إلى أخيه المطروح يبكي على صدره، فتنهّد مرتين. فقام القديس وتلاميذه وسبّحوا الله الذي استجاب لتضرعهم وأعطاهم نفس ذلك الشاب، وخرجوا من الغاب. وأمر القديس أن يُغسل جسده من الدماء الملطخة، وكانت توجد علامات بعض الجروح في جسده علامة على ما صنع الله بذلك الإنسان.
← المعجزة السابقة · كل المعجزات
المراجع
- كتاب سيرة القديس مار أوكين، لنيافة الأنبا متاؤس أسقف ورئيس دير السيدة العذراء (السريان)