المكتبة

قداسة البابا شنودة الثالث

البطريرك السابع عشر بعد المئة للكرسي المرقسي · ١٩٧١–٢٠١٢م

يُعد قداسة البابا شنودة الثالث أحد أبرز آباء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في تاريخها الحديث. جمع بين الحياة الرهبانية والتعليم اللاهوتي والرعاية البطريركية، وامتدت خدمته إلى الكنائس والأديرة في مصر وبلاد المهجر. وقد ترك تراثًا واسعًا من الكتب والعظات والشعر الروحي، وظل مرتبطًا بدير السيدة العذراء السريان الذي ترهب فيه، حتى بعد جلوسه على الكرسي المرقسي.

قداسة البابا شنودة الثالث مبتسمًا، بالقلنسوة السوداء وشملة البطريرك المذهبة
قداسة البابا شنودة الثالث. من أرشيف الموقع القديم.
حقائق أساسية
الاسم قبل الرهبنةنظير جيد روفائيل
تاريخ الميلادالجمعة ٣ أغسطس ١٩٢٣م
مكان الميلادقرية سلام، محافظة أسيوط، مصر
الدراسة الجامعيةليسانس الآداب، قسم التاريخ، ١٩٤٧م
الرهبنة١٨ يوليو ١٩٥٤م، دير السريان
الاسم الرهبانيالراهب أنطونيوس السرياني
السيامة الكهنوتية٣١ أغسطس ١٩٥٨م
السيامة الأسقفية٣٠ سبتمبر ١٩٦٢م، باسم الأنبا شنودة
القرعة الهيكليةالأحد ٣١ أكتوبر ١٩٧١م
التجليس بطريركًاالأحد ١٤ نوفمبر ١٩٧١م
النياحةالسبت ١٧ مارس ٢٠١٢م
موضع الدفندير القديس الأنبا بيشوي، وادي النطرون

١. الميلاد والنشأة والتكوين

وُلد نظير جيد روفائيل يوم الجمعة ٣ أغسطس سنة ١٩٢٣م في قرية سلام بمحافظة أسيوط في صعيد مصر. وتذكر سيرة دير السريان أنه انتقل في نحو السادسة من عمره إلى دمنهور ليعيش مع أخيه الأكبر، وأكمل أجزاء من تعليمه في عدة مدن، منها دمنهور والإسكندرية وأسيوط وبنها. ثم استقر بالقاهرة وأتم تعليمه الثانوي بمدرسة الإيمان الثانوية بمنطقة جزيرة بدران في شبرا.

أظهر منذ شبابه ميلًا واضحًا إلى القراءة والأدب والتاريخ، وأحب الشعر واهتم بمعانيه وإيقاعه، حتى صار الشعر جانبًا ثابتًا من إنتاجه الأدبي والروحي. كما ارتبط مبكرًا بالكنيسة وخدمة مدارس الأحد، وهي الخدمة التي أسهمت في تكوين شخصيته الروحية والتعليمية قبل أن يبدأ الحياة الرهبانية.

التحق بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول، التي أصبحت لاحقًا جامعة القاهرة، وتخرج في قسم التاريخ سنة ١٩٤٧م. وفي السنة نفسها أتم دراسته بكلية الضباط الاحتياط. وكان اهتمامه بالتاريخ يمتد إلى دراسة الحضارات المصرية القديمة والتاريخ الإسلامي والتاريخ الحديث، وهو ما انعكس لاحقًا في محاضراته وكتاباته.

٢. خدمة مدارس الأحد والدراسة الإكليريكية

بدأ نظير جيد خدمته في مدارس التربية الكنسية سنة ١٩٣٩م بكنيسة السيدة العذراء بمهمشة في القاهرة، ثم خدم سنة ١٩٤٦م بكنيسة القديس الأنبا أنطونيوس بشيكولاني في شبرا. وقد تميز بحبه للتعليم والشرح المنظم والاهتمام بالشباب، إلى جانب نشاطه في الكتابة والافتقاد والخدمة الروحية.

التحق بالكلية الإكليريكية سنة ١٩٤٦م، وأتم دراستها في أواخر الأربعينيات. وتؤرخ السجلات التاريخية المنشورة للكنيسة القبطية تخرجه بسنة ١٩٤٩م، بينما تذكر إحدى روايات دير السريان سنة ١٩٥٠م. وبعد الدراسة تفرغ للتدريس في الإكليريكية والعمل الكنسي، وتذكر رواية الدير أن الأرشيدياكون حبيب جرجس شجعه على التدريس بها.

في أكتوبر ١٩٤٩م تولى رئاسة تحرير مجلة «مدارس الأحد»، واستمر في هذه المسؤولية حتى رهبنته سنة ١٩٥٤م. وفي سنة ١٩٥٢م اختير رئيسًا لمجلس إدارة بيت مدارس الأحد، ثم ترك هذه المسؤولية ليتفرغ للخدمة والتعليم. كما قام بالتدريس في مدرسة الرهبان بحلوان سنة ١٩٥٣م. وقد جمع في هذه السنوات بين معرفة أكاديمية واسعة، ودراسة لاهوتية متخصصة، وخبرة مباشرة في التعليم الكنسي.

٣. الرهبنة في دير السيدة العذراء السريان

كان نظير جيد يحب الرهبنة منذ شبابه، وتردد على دير السيدة العذراء السريان في وادي النطرون قبل انضمامه إليه. وبحسب السيرة التاريخية المنقولة عن آباء الدير، حضر إلى الدير يوم ١٥ يوليو ١٩٥٤م راغبًا في تكريس حياته لله، وكان معروفًا للأسقف الأنبا ثاؤفيلس ولعدد من الرهبان. وفي يوم الأحد ١٨ يوليو ١٩٥٤م ترهّب باسم «الراهب أنطونيوس السرياني».

لم تكن حياته في الدير مقتصرة على الصلاة والخلوة؛ فقد تولى خدمة مكتبة الدير واهتم بتنظيم الكتب وفهرستها، وكانت المكتبة تضم مراجع ومخطوطات لها قيمة كبيرة في تاريخ الكنيسة. وتروي سيرة الدير أنه شارك كذلك في الإرشاد الروحي واستقبال الزائرين وخدمة بيت الخلوة ومتابعة بعض الأعمال والمباني. وأصبحت صلته بالمكتبة والقراءة والتأليف إحدى السمات المميزة لسنواته الرهبانية.

وتنقل سيرة الدير أن الباحث الألماني أوتو ميناردس، عند حديثه عن دير السريان في مطلع ستينيات القرن العشرين، أشاد بمستوى ثقافة الراهب أنطونيوس السرياني وتعليمه. ويُذكر هذا التقدير هنا بوصفه شهادة منقولة في كتاب الدير، من دون نسبة نص حرفي إلى الطبعة الأجنبية.

اتجه الراهب أنطونيوس أيضًا إلى حياة الوحدة في البرية. وتؤرخ السيرة الرسمية للكنيسة بداية عزلته في فبراير ١٩٥٦م، بينما تذكر رواية الدير أنه قضى فترة سنة ١٩٥٧م في مغارة غربي الدير، وأقام نحو سنة ١٩٦٠م فترة في مغارة تطل على منطقة البحر الفارغ، على مسافة تقارب اثني عشر كيلومترًا جنوبي الدير. وقد أتاحت له هذه الخلوات أوقاتًا طويلة للصلاة والتأمل والقراءة والكتابة.

في الأحد ٣١ أغسطس ١٩٥٨م سيم كاهنًا بيد الأنبا ثاؤفيلس، أسقف الدير، وصار يمارس خدمة الكهنوت والإرشاد الروحي إلى جانب حياته النسكية. وتذكر رواية الدير أنه اعتذر في مرحلة لاحقة عن الترقية إلى رتبة القمصية، تعبيرًا عن تواضعه ورغبته في الاستمرار في حياة الرهبنة البسيطة.

في يونيو ١٩٥٩م اختاره قداسة البابا كيرلس السادس سكرتيرًا له. ومع انتقاله إلى مسؤوليات أوسع، بقيت صلته بدير السريان قوية، وظل يعود إليه للهدوء والصلاة، واستمرت علاقته بآباء الدير وقلايته المنفردة جزءًا من حياته الروحية.

٤. أسقف التعليم والمعاهد الدينية

في يوم الأحد ٣٠ سبتمبر ١٩٦٢م سيم الراهب القس أنطونيوس السرياني أسقفًا عامًا للتعليم المسيحي والتربية الكنسية والمعاهد الدينية باسم «الأنبا شنودة»، في عهد البابا كيرلس السادس. وفي اليوم نفسه سيم الأنبا صموئيل أسقفًا للخدمات العامة. وقد مثّل إنشاء هاتين الأسقفيتين المتخصصتين خطوة مهمة في تطوير الخدمة الكنسية المنظمة.

أولى الأنبا شنودة الكلية الإكليريكية والتعليم الديني عناية كبيرة، وعمل على توسيع المحاضرات والاجتماعات الروحية في منطقة الأنبا رويس بالعباسية. وكان يمتاز بالأسلوب الواضح والقدرة على تبسيط الموضوعات اللاهوتية والروحية، كما كان يهتم بأسئلة الحاضرين ويخصص وقتًا للحوار معهم.

في يناير ١٩٦٥م أصدر العدد الأول من مجلة «الكرازة» برئاسته، وكانت في بدايتها مرتبطة بالكلية الإكليريكية والتعليم، ثم تطورت خلال خدمته البطريركية إلى مجلة كنسية أوسع، وأصبحت أسبوعية في أكتوبر ١٩٧٤م. وفي سنة ١٩٦٦م أصبح عضوًا بنقابة الصحفيين المصريين. وعلى الرغم من أعباء الأسقفية، لم تنقطع صلته بالدير الذي ترهب فيه.

٥. انتخابه وتجليسه بابا للإسكندرية

بعد نياحة قداسة البابا كيرلس السادس في ٩ مارس ١٩٧١م، بدأت إجراءات اختيار البطريرك الجديد. وكان الأنبا شنودة ضمن المرشحين، ثم صار أحد الأسماء الثلاثة التي انتهت إليها الانتخابات في ٢٦ أكتوبر ١٩٧١م. وفي يوم الأحد ٣١ أكتوبر أُجريت القرعة الهيكلية، وجاء الاختيار على الأنبا شنودة.

وفي يوم الأحد ١٤ نوفمبر ١٩٧١م أُقيمت صلوات ومراسم تجليسه في الكاتدرائية المرقسية الكبرى بالعباسية، بحضور آباء الكنيسة ووفود كنسية وشخصيات عامة وجموع من الشعب. واتخذ اسم «البابا شنودة الثالث»، ليصبح بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والبطريرك رقم ١١٧ في تسلسل آباء الكرسي المرقسي. وامتدت بطريركيته أكثر من أربعين سنة، حتى نياحته سنة ٢٠١٢م.

٦. خدمته التعليمية والكتابية خلال البطريركية

ظل التعليم محورًا أساسيًا في خدمة البابا شنودة الثالث. وواصل اجتماعاته وعظاته الأسبوعية، ولا سيما اجتماع الأربعاء، الذي تحول إلى لقاء واسع يحضره الناس من أعمار وخلفيات مختلفة. وكان يشرح الكتاب المقدس والموضوعات العقائدية والحياة الروحية، ويجيب عن أسئلة الحاضرين بأسلوب مباشر يجمع بين التعليم والرعاية.

ألّف عددًا كبيرًا من الكتب والمقالات في الروحيات والعقيدة وتفسير الكتاب المقدس والحياة الأسرية والخدمة الكنسية والرد على الأسئلة اللاهوتية. وتشير المراجع الكنسية الرسمية إلى أن مؤلفاته تجاوزت مئة كتاب، وترجمت بعض كتاباته إلى لغات أخرى. وكتب أيضًا قصائد روحية ووطنية، وظل الشعر حاضرًا في شخصيته منذ سنوات شبابه.

اهتم بتقوية الكلية الإكليريكية وفتح فروع لها داخل مصر وخارجها، وبإنشاء مؤسسات تخدم الدراسة اللاهوتية والتكوين الكنسي. وفي سنة ١٩٧٤م تأسس معهد الرعاية ومعهد الكتاب المقدس. كما اهتم بمجلة «الكرازة» والمطبوعات والوسائل الإعلامية، ثم شهدت سنواته ظهور مراكز ثقافية وقنوات فضائية قبطية أسهمت في وصول التعليم الكنسي إلى مناطق واسعة.

٧. الرهبنة وتعمير الأديرة والاهتمام بالشباب

احتفظ البابا شنودة الثالث بمحبة خاصة للرهبنة، وكان يحرص على قضاء أوقات منتظمة في وادي النطرون، ولا سيما بدير الأنبا بيشوي. واهتم بتعمير الأديرة القديمة وتشجيع الحياة الرهبانية، كما شهد عهده تأسيس أديرة قبطية في بلاد المهجر. وتذكر رواية دير السريان اهتمامه بتجديد الحياة الرهبانية في دير الشهيدة دميانة بالبراري، ودير الأنبا باخوم بأدفو، ودير مار جرجس بالرزيقات، ودير السيدة العذراء بأخميم، إلى جانب أديرة أخرى.

ولم ينس دير السريان، الذي بدأت فيه رهبنته؛ فقد احتفل يوم ١٨ يوليو ١٩٧٩م باليوبيل الفضي لرهبنته، وأقام القداس الإلهي في الدير. وظلت ذكريات حياته في المكتبة والمغارات وقلايته من أبرز الروابط بين خدمته البطريركية وأصوله الرهبانية.

ومن أبرز اهتماماته خدمة الشباب. ففي يوم ٢٥ مايو ١٩٨٠م أسس أسقفية الشباب وسيم الأنبا موسى أسقفًا عامًا لهذه الخدمة، لتتوسع المؤتمرات والأنشطة الروحية والتربوية والخدمات الموجهة إلى الشباب داخل مصر وخارجها. كما اهتم بخدمة المرأة المكرسة، وصدرت في عهده لائحة للمكرسات سنة ١٩٩١م، واهتم بتنظيم جوانب العمل الكنسي من خلال لوائح متعددة، منها لائحة المجمع المقدس سنة ١٩٨٥م.

قداسة البابا شنودة الثالث بملابس الخدمة البطريركية، وإلى جانبه قوله عن الكنيسة والشباب بالإنجليزية
لوحة تحمل قول قداسته بالإنجليزية، ومعناه: الكنيسة بلا شباب كنيسة بلا مستقبل، والشباب بلا كنيسة شباب بلا مستقبل. من كنيسة مار مرقس القبطية الأرثوذكسية بجيرسي سيتي.

٨. الانتشار في المهجر وخدمة أفريقيا

شهد عهد البابا شنودة الثالث اتساعًا كبيرًا في انتشار الكنيسة القبطية الأرثوذكسية خارج مصر، نتيجة نمو الجاليات القبطية في أمريكا الشمالية وأوروبا وأستراليا وأفريقيا. واهتم بإرسال الكهنة والأساقفة، وتأسيس كنائس وإيبارشيات وأديرة ومراكز للخدمة والتعليم. وقد قام برحلات رعوية ومسكونية كثيرة لافتقاد أبناء الكنيسة ومتابعة احتياجاتهم؛ ويذكر التاريخ الرسمي للكنيسة أنه قام بمئة وأربع رحلات خارج مصر.

كما اهتم بخدمة القارة الأفريقية، فتأسست أسقفية عامة لشؤون أفريقيا سنة ١٩٧٦م، واتسعت الخدمات المرتبطة بالكنيسة القبطية في عدد من بلدان القارة. وفي سنة ١٩٩٨م اشترك في تأسيس البطريركية الإريترية بسيامة أبونا فيلبس بطريركًا لها، ثم تمت سيامة أبونا أنطونيوس بطريركًا لإريتريا سنة ٢٠٠٤م.

وفي عهده تمت سيامة عدد كبير من المطارنة والأساقفة والكهنة؛ وتورد السجلات التاريخية الرسمية للكنيسة عدد ١١٧ من المطارنة والأساقفة والخوري إبسكوبوس، ونحو ألف كاهن للقاهرة والإسكندرية وبلاد المهجر. كما قام بإعداد الميرون المقدس سبع مرات خلال بطريركيته.

٩. العلاقات المسكونية والحوار مع الكنائس

كان البابا شنودة الثالث من الشخصيات البارزة في الحوار بين الكنائس المسيحية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وفي سنة ١٩٧٢م قام برحلة مسكونية شملت لقاءات مع رؤساء كنائس أرثوذكسية وشرقية، ثم قام في مايو ١٩٧٣م بزيارة تاريخية إلى الفاتيكان والتقى البابا بولس السادس.

في ١٠ مايو ١٩٧٣م وقّع البابا شنودة الثالث والبابا بولس السادس إعلانًا مشتركًا تناول الإيمان بالمسيح، وشكّل خطوة مهمة في التقارب والحوار اللاهوتي بين الكنيستين القبطية الأرثوذكسية والكاثوليكية. وفي العام نفسه عادت إلى مصر رفات للقديس أثناسيوس الرسولي من روما. وقد استمر بعد ذلك الحوار اللاهوتي والمسكوني مع الكنائس الأخرى.

انتُخب في فبراير ١٩٩١م أحد رؤساء مجلس الكنائس العالمي، واستمر في هذا المنصب حتى سنة ١٩٩٨م. وفي نوفمبر ١٩٩٤م اختير رئيسًا لمجلس كنائس الشرق الأوسط عن عائلة الكنائس الأرثوذكسية الشرقية، وجُدد انتخابه في دورات لاحقة. كما كان له حضور في جهود المصالحة والتعاون بين الكنائس الأرثوذكسية الشرقية.

١٠. المحنة في سبتمبر ١٩٨١ والعودة في ١٩٨٥

واجه البابا شنودة الثالث خلال بطريركيته تحديات سياسية واجتماعية صعبة، كان أبرزها الأزمة التي وقعت في عهد الرئيس محمد أنور السادات. ففي سبتمبر ١٩٨١م صدر قرار جمهوري أوقف الاعتراف الرسمي به بطريركًا، وفُرضت عليه الإقامة الجبرية في المقر البابوي بدير القديس الأنبا بيشوي بوادي النطرون.

استمر هذا الوضع نحو أربعين شهرًا. وخلال تلك الفترة بقي بعيدًا عن مباشرة نشاطه الرعوي المعتاد من المقر البابوي بالقاهرة، وقضى وقته في الدير. وفي يناير ١٩٨٥م عاد إلى مقره البابوي في عهد الرئيس محمد حسني مبارك، واستأنف نشاطه الرعوي والتعليمي بصورة واسعة. وتُعد هذه الأحداث من المحطات المهمة في تاريخ العلاقة بين الكنيسة والدولة في مصر الحديثة.

وشهدت سنوات خدمته اللاحقة ظروفًا متغيرة وتحديات اجتماعية وأمنية واجهت الأقباط والمجتمع المصري عمومًا. وكان يتحدث كثيرًا عن المحبة والسلام والانتماء إلى مصر، مع اهتمامه بالحفاظ على وحدة الكنيسة ورعاية أبنائها. وفي عام ٢٠١١م شهدت مصر تحولًا سياسيًا كبيرًا، وأصدرت اللجنة الدائمة للمجمع المقدس في فبراير بيانًا متعلقًا بالأحداث الوطنية.

١١. النياحة والجنازة والدفن

بعد رحلة طويلة من الخدمة والرهبنة والتعليم، تنيح قداسة البابا شنودة الثالث بسلام يوم السبت ١٧ مارس ٢٠١٢م، وقد بلغ من العمر ثمانية وثمانين عامًا وسبعة أشهر تقريبًا. وكانت مدة جلوسه على الكرسي المرقسي تزيد على أربعين سنة وأربعة أشهر.

أُقيمت صلوات الجنازة على جسده يوم الثلاثاء ٢٠ مارس ٢٠١٢م بالكاتدرائية المرقسية الكبرى بالعباسية، بحضور أعداد كبيرة من أبناء الكنيسة وشخصيات ووفود كنسية ورسمية من مصر وخارجها. ثم نُقل جثمانه إلى دير القديس الأنبا بيشوي بوادي النطرون، ودُفن في مزار أُعد له بالدير، بحسب وصيته.

وقد خلفه على الكرسي المرقسي البابا تواضروس الثاني، الذي اختير بالقرعة الهيكلية في نوفمبر ٢٠١٢م. وبقيت ذكرى البابا شنودة الثالث حاضرة في حياة الكنيسة من خلال عظاته المسجلة ومؤلفاته وقصائده ومؤسساته التعليمية والكنائس والأديرة التي اتسعت خدمتها في عهده.

١٢. إرثه الروحي والتاريخي

يجمع تاريخ البابا شنودة الثالث بين مسارات متكاملة: طالب التاريخ الذي صار معلمًا كنسيًا، وراهب دير السريان الذي أحب البرية والخلوة، وأسقف التعليم الذي اهتم بالمعاهد والخدام، ثم البطريرك الذي قاد الكنيسة القبطية في مصر وانتشارها العالمي لأكثر من أربعة عقود.

وتكمن أهمية سيرته في الأثر الذي تركه في التعليم والوعظ والكتابة والرهبنة وخدمة الشباب والمهجر والحوار المسكوني، إلى جانب تجربته في التعامل مع أحداث سياسية واجتماعية معقدة. ولا تزال كتبه وتسجيلات عظاته مصدرًا للقراءة والدراسة والانتفاع الروحي لدى أجيال من الأقباط وغيرهم.

ويرتبط اسمه في تاريخ دير السريان خاصة بخدمة المكتبة والمخطوطات، وبسنوات الوحدة في البرية، وبالعلاقة الروحية التي استمرت بينه وبين الدير وآبائه حتى آخر أيامه. وهكذا تبقى سيرته فصلًا مهمًا من تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في العصر الحديث.

محطات أساسية في حياته

  • ١٩٢٣م: الميلاد في قرية سلام بمحافظة أسيوط.
  • ١٩٣٩م: بداية خدمته بمدارس التربية الكنسية.
  • ١٩٤٧م: التخرج في قسم التاريخ بجامعة فؤاد الأول وكلية الضباط الاحتياط.
  • ١٩٤٩م: التفرغ للتدريس بالإكليريكية ورئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
  • ١٩٥٤م: الرهبنة بدير السريان باسم أنطونيوس السرياني.
  • ١٩٥٨م: السيامة الكهنوتية بيد الأنبا ثاؤفيلس.
  • ١٩٦٢م: السيامة أسقفًا عامًا للتعليم باسم الأنبا شنودة.
  • ١٩٦٥م: صدور العدد الأول من مجلة الكرازة.
  • ١٩٧١م: الاختيار بالقرعة الهيكلية والتجليس بطريركًا.
  • ١٩٧٣م: الزيارة التاريخية للفاتيكان وتوقيع الإعلان المشترك.
  • ١٩٨٠م: تأسيس أسقفية الشباب وسيامة الأنبا موسى.
  • ١٩٨١–١٩٨٥م: فترة التحفظ عليه بدير الأنبا بيشوي ثم العودة إلى المقر البابوي.
  • ١٩٩١–١٩٩٨م: إحدى رئاسات مجلس الكنائس العالمي.
  • ٢٠١٢م: النياحة يوم ١٧ مارس والدفن بدير الأنبا بيشوي يوم ٢٠ مارس.

المراجع التاريخية

أُعدت هذه السيرة بالرجوع إلى المصادر التالية، مع مراعاة الاختلافات المحدودة بين بعض الروايات:

  • الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، السيرة الرسمية للبابا شنودة الثالث، والتاريخ الكنسي الحديث.
  • سمعان السرياني، دير السيدة العذراء السريان، برية شيهيت، وادي النطرون، ١٩٩٠م؛ والنص التاريخي المنشور في قسم رؤساء دير السريان بموقع أوكين.
  • مجلة الكرازة، والتاريخ الرسمي لأسقفية الشباب.
  • الإعلان المشترك بين البابا شنودة الثالث والبابا بولس السادس، ١٠ مايو ١٩٧٣م.
  • سجلات مجلس الكنائس العالمي عن رئاسة البابا شنودة الثالث خلال الفترة ١٩٩١–١٩٩٨م.

ملاحظة توثيقية: تذكر السيرة الرسمية تخرجه من الكلية الإكليريكية سنة ١٩٤٩م، بينما يذكر مصدر دير السريان سنة ١٩٥٠م؛ لذلك لم تُقدَّم السنة المختلف عليها في متن السيرة بوصفها محسومة من جميع المصادر. وقد استُبعدت العبارات التي تنسب إليه سبقًا تاريخيًا أو عددًا محددًا من الألقاب والدكتوراه من غير سند كافٍ.

انظر أيضًا: عظات قداسة البابا شنودة الثالث · أسئلة الناس — إجابات قداسة البابا شنودة الثالث · رؤساء دير السريان