سيرة القديس أوكين
أصل القديس ومكان نشأته
كان القديس مار أوكين من أرض مصر، واسم بلده القلزم. وكان يعمل جاهدًا أن تكون له أعمال روحانية لكي يدوم ذكره إلى الأبد: «وشعبك كلهم أبرار، إلى الأبد يرثون الأرض، غصن غرسي عمل يدي لأتمجد. الصغير يصير ألفًا والحقير أمة قوية» (إش ٦٠: ٢١-٢٢).
وكانت صناعته غوّاصًا، فكان يغوص في البحر ويلتقط الجواهر (لآلئ البحر). فكان يوميًا يضع على وجهه وجهًا (غطاءً) زجاجيًا – كما هو معتاد في هذه الصنعة – ويغوص في البحر ويُخرج هذه اللآلئ ويبيعها، ويصرف ثمنها على المساكين والأيتام والكنائس والأديرة، ويطلب من السيد المسيح أن يعطيه أجرًا في ملكوته. وكان يترجّى أن ينظر ما نظره القديس بولس الرسول، ذلك الذي «ما لم ترَ عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على بال إنسان: ما أعده الله للذين يحبونه» (١كو ٢: ٩).
رؤيا القديس
وفي أحد الأيام نزل إلى البحر كعادته فرأى رؤيا، وهي شبه كوكب مضيء يمشي على وجه الماء أمامه. وعندما رأى القديس ذلك تعجب جدًا متفكرًا في نفسه متسائلًا عن هذا المنظر: «ما هو هذا المنظر الذي رأيته أنا اليوم في البحر؟». ثم رأى منظرًا إلهيًا مرسلًا من الله، وفي تلك الساعة أضاء وجه القديس أوكين وحلّت عليه نعمة إلهية، فتقدّم وازداد في أعماله الصالحة: في صلاته، وفي صومه، وفي رحمته على المساكين والمتألمين، وتشبّه بطابيثا المذكورة في سفر أعمال الرسل.
ظل القديس أوكين مداومًا على ذلك في مدينة القلزم لمدة خمسة وعشرين عامًا. فلما نظر الله إرادته المقدسة، أعطاه موهبة عظيمة، وهي أن يعين السفن التي على وشك الغرق في البحار، كما أعطاه أيضًا أن يمشي على الماء كالمشي على اليابسة، وأعطاه سلطانًا أن يهدّئ العواصف عن السفن التي كانت تجتاز في ذلك المكان.
إنقاذ مركب التجار من اللصوص
في أحد الأيام رأى مركب لصوص (قراصنة) جاءوا لنهب وسرقة مركب آخر لبعض التجار، فغار وقام بمحبة إلهية ومشى على الماء حتى أتى إلى مركب التجار وخلّصهم من أيدي اللصوص. وبصلاته أرسل الله ريحًا من التيمن (جنوبية) أبعدت مركب اللصوص عن مركب التجار مسافة تسعين فرسخًا (أي ٢٧٠ ميلًا)، كما أرسل الله أيضًا ريحًا من الشمال ساعدت مركب التجار على الوصول إلى الميناء بمدينة القلزم.
فلما أبصر التجار ما حدث وما فعله القديس معهم، خافوا وتعجبوا جدًا لأنهم أبصروه سبب خلاص نفوسهم، فاجتمعوا وتشاوروا فيما بينهم وقالوا: «هذا رجل إلهي، وبصلاته خلّصنا الله من أولئك اللصوص». ثم أعطوا القديس ثلاثين أوقية من الذهب، وسألوه أن يصلي لأجلهم ويطلقهم بسلام.
أخذ القديس الذهب من بين أيديهم وبدأ يبني ديرًا لكي يصعد منه تسبيحًا للرب، فكان لا يكنز لنفسه شيئًا، طاعة لقول السيد المسيح: «لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ، وحيث ينقب السارقون ويسرقون. بل اكنزوا لكم كنوزًا في السماء، حيث لا يفسد سوس ولا صدأ، وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون. لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضًا» (مت ٦: ١٩-٢١).
وشاع اسم القديس في كل الكورة المحيطة وفي جميع جزائر البحر، وبين السالكين فيه من التجار والمسافرين، وكان بذكر اسم القديس أوكين في وسطهم يخلّصهم الله من نوائب البحر، فالكل يمجّد إله القديس أوكين، ربنا يسوع المسيح.
السفينة العالقة في شق الجبل
كانت في إحدى المرات سفينة قوي عليها الماء والنوء حتى صارت في شق في الجبل في مضيق عظيم، وأصبح أصحابها في شدة عظيمة، ولم يقدروا أن يخرجوها من ذلك الموضع. فصرخوا إلى الله لكي ينقذهم من هذه البلية وينجّيهم من غرق البحر بصلاة القديس مار أوكين. فسمع الله صلاتهم، وأظهر للقديس أمرهم وأن يذهب ويخلّص تلك السفينة من عطب البحر.
فقام القديس في الحال وذهب إليهم. ونظر ركاب تلك السفينة فوجدوا رجل الله القديس أوكين آتيًا ماشيًا على وجه الماء متجهًا نحوهم، فرفعوا أصواتهم صارخين قائلين: «ارحمنا يا رجل الله، اعبر إلينا وأعنّا، لأننا علمنا أن الله أرسلك إلينا لتخلّصنا من ضيقة هذه اللجة الصعبة التي نحن فيها الآن».
وقف القديس بجوارهم ثم سجد لله قائلًا: «أيها الرب الإله القوي، الجالس على الكاروبيم، ملك السماء والأرض، الذي لك سلطان على البر والبحر واللجج، خلّص عبيدك من هذه التجربة التي هم فيها، وأوصلهم إلى الميناء الهادئ، لأنك وحدك الصالح إلى الأبد. آمين».
وبعد أن أتمّ القديس صلاته هبّت ريح من التيمن، ولكن لم تتحرك تلك السفينة لأنها انشبكت تحت شق الجبل. فعاد القديس وصلّى أيضًا من أجل نجاتهم، فسمع الله صوته، فغطست الصخرة السفلية (التي من شق الجبل) إلى أسفل، وتخلّصت السفينة من هذا الشق. وفي تلك الساعة تحركت السفينة بسلام وسارت في طريقها حتى وصلت إلى الميناء الهادئ، بصلاة القديس مار أوكين.
في دير الأنبا باخوم
أظهر الله الكثير من العجائب والمعجزات في البر والبحر على يدي القديس أوكين، وكان الله قد أعطاه قوة ومعونة حتى شاع خبره في كل الأرض، وكل من سمع وأبصر أفعاله كان يتعجب جدًا ويسبّح الله من قِبَله. فلما رأى القديس أوكين هذه القوات الإلهية التي أعطاها الله له، ولم يستطع إخفاء نفسه، وكثر من الناس مديحه، مضى وأقام مدبّرًا ورئيسًا للدير الذي بناه عوضًا عنه، ولبس لباسًا حقيرًا كأحد الفقراء المساكين، وتوجّه إلى دير القديس الأنبا باخوم في صعيد مصر، حيث لا أحد يعرف عنه شيئًا، متوسّلًا أن يقيم عندهم.
سلك القديس أوكين في وسطهم متواضعًا فأعطاه الله كرامة، فظهرت قداسته وصار له وقار بسبب تدبيره وعمله وصنعه للآيات، لذلك هرب من الدير. فخرج رئيس الدير وجميع الإخوة وراءه ليبحثوا عنه في المزارع والساحات وبين الكروم، فوجدوه ساجدًا على الأرض وهو يسبّح الله. فتقدم إليه رئيس الدير وجماعة الإخوة وسجدوا له حتى الأرض، وجاءوا به إلى الدير، وسألوه أن يصلّي من أجلهم ويسكن عندهم. وأمر رئيس الدير أن يُضرب الناقوس، فاجتمع كل الإخوة وتباركوا من القديس مار أوكين.
ولم يُرد القديس أن يُحزن قلوبهم، فقال لهم: «صلّوا من أجلي يا إخوتي، لكي يصنع معنا الله ما يعرفه نافعًا لي ولكم بصلواتكم». وفي تلك الليلة خرج من الدير دون أن يعلم به أحد، وعاد إلى بلاده.
العودة ثم الرحيل إلى نصيبين
رجع القديس إلى بلاده، وأثناء رجوعه عاد ونظر الكوكب المضيء مرة أخرى أمامه. وبإرشاد من الروح القدس علم رهبان ديره بقدومه، فخرجوا كلهم جميعًا للقائه بالمزامير والتسابيح، يسبّحون ويشكرون الله الذي أنعم عليهم بقدوم القديس مار أوكين، وتباركوا منه وطلبوا منه أن يبقى في وسطهم ليعلّمهم الإيمان السليم، فلم يُرد البقاء.
مضى من عندهم وفي صحبته سبعون أبًا من تلك البلاد ملازمون له، وذهبوا إلى مدينة نصيبين في أرض ما بين النهرين، وهناك تكاثر عددهم وصاروا جمعًا كثيرًا. ثم وصلوا إلى «الهرميس» قبلي مدينة نصيبين، وسكنوا هناك بجوار الغاب الذي ينمو في تلك المواضع، وأقاموا سبعة أيام هناك يسبّحون الله دون أن يعلم بهم أحد.
شفاء الرجل الذي به روح نجس
وهناك رأى القديس أوكين إنسانًا به روح نجس ينزل ويخرج من الماء، فناداه القديس قائلًا: «تعالَ إلى هنا وتكلّم معي». فأجابه الروح النجس وقال: «ماذا تريد مني يا مار أوكين يا خائف الله؟». فقال له القديس: «كم من السنين أنت ساكن في هذا الإنسان؟». فأجابه: «ست وثلاثون سنة وأنا ساكن في هذا الإنسان». فقال له القديس: «باسم ربنا يسوع المسيح، الذي طرد لجئون من ذلك الذي كان ساكنًا بين القبور، اخرج من هذا الإنسان وامضِ، وليس لك سلطان أن تتسلط عليه مرة أخرى». وللوقت خرج الروح الشرير من ذلك الإنسان ومضى.
ولما مضى قام هذا الرجل لوقته ودخل المدينة، وبدأ يبشّر في البيوت والأزقة ويعرّف الجميع كيف شُفي وخرج الشيطان منه، حتى إن كل من رآه تعجّب، مما جعل أهل المدينة يسألونه قائلين: «من هو هذا الرجل الذي شفاك من مرضك؟». فكان يجيبهم قائلًا: «يوجد رجال قديسون ساكنون في وسط الغاب على النهر قبلي المدينة، ورئيسهم الذي هو أب لهم صاح وأمر الشيطان الساكن فيَّ أن يخرج، ومن تلك اللحظة خرج الشيطان مني وعوفيت». فانزعج أهل المدينة لسماعهم هذا الكلام قائلين: «ما عسى هذا الأمر؟!».
أتى جميع أهل المدينة إلى حيث كان القديسون وقالوا لهم: «من أنتم، وما هو عملكم؟». فأجاب القديس مار أوكين قائلًا: «نحن قوم غرباء من أجل المسيح ابن الله، الذي له نحن نسجد ونعبد، ونحن أيضًا له تلاميذ، وباسمه نستطيع أن نشفي كل مرض وكل وجع، ونطرد الشياطين من البشر. الذي له المجد والإكرام والعزة والسجود، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور».
المراجع
- كتاب سيرة القديس مار أوكين، لنيافة الأنبا متاؤس أسقف ورئيس دير السيدة العذراء (السريان)
- مخطوط رقم ٢٩٧ ميامر، مكتبة دير السريان