سيرة القديس أوكين (٣): اختيار مار يعقوب أسقفًا لنصيبين
نياحة مطران نصيبين
في ذلك الزمان تنيّح مطران مدينة نصيبين، وكان شعبها يفكر فيمن يخلفه، فصار بعضهم يقول «فلان» والبعض الآخر يقول «فلان»، فاختلف أهل المدينة في اختيار راعيهم الجديد. لكنهم اتفقوا برأي واحد قائلين: «نذهب إلى القديس مار أوكين ونصنع ما يشير به علينا في هذا الأمر».
ذهب القسوس والشمامسة ورؤساء المدينة ووصلوا إلى باب قلاية القديس أوكين، فخرج إليهم وطلب منهم أن ينزلوا إلى البيعة ويرفعوا صلاة حتى يُتمّ قانون صلاته، ففعلوا كما طلب منهم.
نبوة القديس لمار يعقوب
وكان قبل ذلك الحدث بثلاثة أيام قد جاء إلى القديس مار أوكين قديس متوحد في أحد الجبال يُسمّى «مار يعقوب». وعندما سلّم على القديس أوكين تنبأ له القديس قائلًا: «أنا وأنت نتبارك من بعضنا بعضًا كالإخوة، وبعد قليل من الأيام، مثل راعي البيعة ومدبرها، أتبارك منك». فأجابه القديس مار يعقوب قائلًا: «اغفر لي يا أبي، ما أستحق هذا الشيء الذي تقوله لي».
القديس يرشد الشعب إلى آمد
نزل القديس أوكين إلى الكنيسة حيث كان جمع مدينة نصيبين مجتمعًا ينتظر مجيئه، فلما رأوه قاموا له جميعًا ليتباركوا منه. وكان منظره مضيئًا وممجّدًا كمنظر ملاك الرب، لذلك كان له وقار عظيم. فأشار بيده ليجلسوا بهدوء حتى يدخل ويسجد أمام المذبح المقدس، وبعد ذلك خرج واتكأ على عكازه، وكان الجمع يزحمه ليتبارك منه.
أما هو فكان قد أحسّ بسبب مجيئهم قبل أن يخبروه، فقال لهم: «يا أولادي، من بعد نياحة أبيكم الروحي صعب عليكم اختيار راعٍ ومدبر لكم. كفّوا عن الجدال والمشاحنة مع بعضكم بعضًا، فليس يصير واحد من الذين تختارونهم راعيًا ومدبرًا لكم، ولكن الرجل الذي سيصير مدبرًا لكم معروف عند الروح القدس. اسمعوا مني واصعدوا إلى مدينة «آمد»، هناك تجدون الأب البطريرك والآباء الأساقفة مجتمعين، وهناك الله يختار لكم الراعي والمدبر».
تعجّب الجمع جدًا لأنه تكلم معهم عن سبب مجيئهم قبل أن يخبروه، وقبلوا كلامه بفرح وقدّموا له ميطانية، وانصرفوا إلى مدينتهم بسلام في محبة واتفاق ورأي واحد.
الرؤيا في آمد
قام الآباء القسوس والشمامسة ورؤساء المدينة إلى مدينة «آمد»، فوجدوا الأب البطريرك والآباء الأساقفة مجتمعين كما قال لهم القديس مار أوكين. فتباركوا منهم، ثم سألهم الأب البطريرك قائلًا: «من اخترتم أن يكون لكم راعيًا ومدبرًا؟». فأجابوه بما قاله لهم القديس أوكين. فلما سمع الآباء المطارنة ما قاله القديس أوكين قالوا بأجمعهم: «نقدّم إلى الله صلوات وطلبات من أجل هذا الأمر هذه الليلة، والرب يختار».
قام الأب البطريرك والآباء المطارنة بهمة وعزيمة طوال ليلتهم يقدّمون طلبات إلى الله، ويسألونه أن يريهم من هو الرجل الذي يختاره لهذه المهمة. وفي نصف الليل، والأب البطريرك قائم يصلّي بدموع كثيرة متضرعًا إلى الرب من جهة هذا الأمر، إذا هدوء عميق حلّ عليه، وأُلقي عليه سبات، وأصبح في نوم عميق. وفي نومه رأى ملاكًا قائمًا أمامه قائلًا له: «مار يعقوب هو الرجل الذي تسألون الرب عنه، ولا يزال متوحدًا في الجبال، وأجرى الله على يديه معجزات وعجائب، والرب اختاره ليرعى ويدبّر مدينة نصيبين». وسأل الأب البطريرك عن جنسه فلم يخبره الملاك، وانصرف عنه.
قام الأب البطريرك من نومه وأعلم الآباء برؤياه، فقاموا في ساعتهم وذهبوا إلى موضع القديس يعقوب، وأخبروه بما حدث وسألوه أن ينزل معهم. فقال لهم إنه لا يستحق ذلك، ولكنه علم أن هذا الأمر من الله، فخاف أن يضادّ إرادة الله، وتذكّر كلام القديس مار أوكين له: «هوذا قد قرُب زمانك لترعى قطيع المسيح». فقام القديس مار يعقوب ونزل معهم، ففرحوا به فرحًا عظيمًا وشكروا الله الذي اختار لهم راعيًا صالحًا.
من أين جنسه؟
فرحت المدينة وتهلّلت برسامة القديس مار يعقوب أسقفًا لها، وأراد الشعب أن يعرف جنسه فلم يشأ أن يخبرهم. ففي باكر يوم الأحد ذهب القديس مار أوكين ومعه بعض الإخوة إلى كنيسة مدينة نصيبين لتهنئة الشعب براعيهم. فلما دخل البيعة بارك وشكر الله الذي أقام راعيًا صالحًا مثل هذا لبيعته، وقال للشعب: «افرحوا ومجّدوا الله الذي أهّل مدينتكم أن يكون لها هذا القديس مار يعقوب راعيًا ومدبرًا، الذي جنسه من نسل القديس مار يعقوب الرسول أخي الرب، الذي كان أسقفًا على أورشليم في أيام آبائنا الرسل الأطهار».
نطق القديس مار أوكين بهذه الكلمات من قِبل الروح القدس، أما القديس مار يعقوب فلم يشأ إظهار هذا الأمر لئلا يكون له سبب للعُجب والافتخار. ففرح أهل المدينة جدًا لسماعهم هذا الأمر، وشكروا الله لاختياره لهم هذا الأب، ولأن يكون بالقرب من مدينتهم دير يسكنه هؤلاء القديسون وعلى رأسهم القديس مار أوكين.
← الجزء الثاني · آخر قداس في حياة القديس ←
المراجع
- كتاب سيرة القديس مار أوكين، لنيافة الأنبا متاؤس أسقف ورئيس دير السيدة العذراء (السريان)