معجزة على يدي القديسين مار أوكين ومار يعقوب
شفاء المقعد
نزل القديس مار يعقوب والقديس مار أوكين إلى خدمة القداس الإلهي، فنظرا إلى رجل كان ملقى في صحن الكنيسة، وعرفا أنه مقعد منذ خمس عشرة سنة. فتضرّع القديس مار أوكين إلى القديس مار يعقوب وقال له: «يا أبانا، نقدّم صلاة لأجل هذا الرجل».
فصلّى القديسان قائلين: «نطلب منك أيها الرب الإله أن تشفي هذا الرجل ليتمجد اسمك في هذه المدينة، ويعرف الحنفاء واليهود أنك أنت هو القوي وحدك، ويؤمنوا باسم ابنك الحبيب ربنا يسوع المسيح. ومثلما صنعت قوات وعجائب على أيدي رسلك الأطهار القديسين، اصنع هذه المعجزة على يدي عبديك الحقيرين، ليتمجد اسمك القدوس، ولتظهر وتتعظم قوة صليبك المحيي. وكما استدّت أفواه رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين قبالة الآيات والعجائب، وكانت كلمتك تنمو وتزداد، أما هم فرجعوا إلى الوراء بالخزي، فالآن يا رب اشفِ هذا المريض، ولتستدّ أفواه الذين يهزأون بقوة صليبك المعظّم، ولتفتخر بيعتك المقدسة بصليبك المحيي. ولك المجد والإكرام الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين».
أتمّ القديسان صلاتهما، فقال القديس مار يعقوب للقديس مار أوكين: «تقدّم إليه وارشمه بعلامة الصليب على جميع أعضائه». فلم يحسُن ذلك الكلام عند القديس أوكين، فأجاب قائلًا: «يا أبي القديس مار يعقوب، أنت الأب الأسقف، تقدّم وارشمه بعلامة الصليب». فلم يسمع له القديس مار يعقوب فيما قاله، بل قال له: «نرشمه معًا». فرشما الرجل وقالا له: «أيها الإنسان، باسم ربنا يسوع المسيح قُم وامشِ». فقام الرجل في الحال معافى، ورفع يديه إلى السماء يمجّد ربنا يسوع المسيح الذي منحه الشفاء على يدي قديسيه مار يعقوب ومار أوكين.
«آمن كثيرون باسمه إذ رأوا الآيات التي صنع» (يو ٢: ٢٣).
فرح الشعب وهلّل، وتقوّى إيمانه عندما رأى هذه المعجزة. أما الرجل الذي شُفي فشدّ وسطه وانطلق يبشّر بقوة الله العظيمة، وآمن كثيرون باسم يسوع المسيح. ولكن كان يوجد من يهزأ ويقول: «ما كان ذلك الإنسان مقعدًا».
قدرون وأتباع مرقيون
وكان في المدينة رجل آخر يُسمّى «قدرون»، وهو من أتباع الساحر «مرقيون» الذين سخروا من المعجزة. وكان أخوه واليًا على المدينة، ومن أجل منصب الحكم تعمّد وصار مسيحيًا عندما سأله الملك قسطنطين البار أن يفعل ذلك، لكن أفكاره وباطنه تميل إلى مرقيون. أما قدرون أخو الوالي فلم يحضر قدّام الملك قسطنطين لئلا يأمره بالتعميد ويصير مسيحيًا. وكان في بيته أتباع لمرقيون، وكان له ولد مشلول أطرافه يابسة.
ولما سمع بمعجزة شفاء المقعد أرسل وأحضر ذلك الإنسان الذي شُفي ليعرف منه الأمر الصحيح. ولما وصل الرجل إلى بيت قدرون تكلّم قدّامه وقدّام جميع الحاضرين وكل أهل بيته قائلًا: «كنت متعذبًا بهذا المرض لمدة خمس وعشرين سنة، وباسم ربنا يسوع المسيح، وبقوة صليبه المحيي، وبيد عبيده الأتقياء، مُنحت الشفاء». فقام أتباع مرقيون بانتهاره وإهانته قائلين: «أتباع الناصري جعلوك تقول هذا الكلام، وأنت لم تكن مريضًا».
فأجاب الرجل الذي شُفي قائلًا: «إني من أجلكم أتيت إلى هنا، وأنا أعلم أنكم تبصرون قوة الله بيدي قديسيه، ويشرق الله بشعاع من نوره عليكم ليبدّد الظلمة من عقولكم، وتتخلّوا عن ضلالتكم». ثم التفت إلى قدرون صاحب البيت قائلًا: «أنت باختيارك دعوتني لأخبرك بقوة السيد المسيح التي ظهرت فيَّ، وقد بشّرت في كل المدينة بذلك. فيا سيدي قدرون، إن كنت تؤمن باسم يسوع الناصري أنه حقًا ولدته البتول مارت مريم، تقدّم إلى القديسين مار يعقوب ومار أوكين، وببشارتهما آمِن، فابنك المريض تأخذه من عندهما معافى، ونفسك بالأمانة الصحيحة تؤمن، وضلالة هؤلاء السحرة من بيتك تطرد، وبالمعمودية والحياة الجديدة تفرح، وتكون بداية خير لكل من يختاره الله في هذه المدينة».
«إن كان الرب هو الله فاتبعوه، وإن كان البعل فاتبعوه» (١مل ١٨: ٢١).
تعجّب قدرون أخو والي المدينة لما سمع ذلك الكلام، وصار قلبه منقسمًا، وبدأ يشتهي بشارة السيد المسيح ويقبلها ويتخلّى عن أمانة مرقيون، وقال: «إن لم يكن يسوع المسيح إلهًا حقًا وله قدرة على كل شيء، ما كان شفى هذا الرجل. وشفاء ابني باسم يسوع الناصري يكون علامة لي».
فأجابه السحرة قائلين: «يا سيدنا قدرون، لأي سبب تشكّكت في أمانة مرقيون، ولم تطرد هذا الضال من بين يديك؟». فهزّ قدرون رأسه قليلًا وقال لكل رفقائه المجتمعين حوله في ذلك الوقت: «ما أدري، من أطرد: هذا الرجل أم أنتم؟! اصبروا عليَّ قليلًا حتى أعرف أين الإيمان الصحيح، وإياه أتبع أنا وأهل بيتي، وعن الضلالة أبتعد».
قدرون في البيعة
صعد قدرون وأهل بيته وعبيده وأتباع مرقيون إلى البيعة، وهناك عرف القديسان مار يعقوب ومار أوكين بقدومه فأمرا بدخوله. وكان في ذلك الوقت رؤساء المدينة والوالي أخو قدرون عند القديسين. وعند دخول قدرون سجد للقديسين وقبّل أيديهما وأرجلهما، ذلك الذي كان أولًا لا يشتهي أن يبصرهما.
ثم وقف على رجليه وقال بصوت عالٍ: «يا ساداتي، كنت أقول في فكري إنني على الإيمان الصحيح. إيماني إيمان مرقيون، به كنت أؤمن وأعتقد بذلك أنني بعيد عن الضلالة. ومرارًا كنت أهرب من قدّام الملك لئلا يأمرني فأصير نصرانيًا، ولذا صرت غريبًا عن الرياسة لأجل هذه الأمانة. فكنت بغير مخافة الله أفكر وأفعل هذا. والآن أفكاري منقسمة وصرت في انشقاق، أمام طريقين أنا قائم ولا أعلم ما هو الطريق الصحيح.
إنني سمعت بشفاء الرجل المقعد فانزعجت أفكاري، وقلت في نفسي: الذي عنده شفاء طفلي هذا، فهو الذي عنده الإيمان الصحيح. وجعلت هذه علامة، ومن كل قلبي سألت الله أن يُظهر لي الإيمان الصحيح: إيمان مرقيون الذي يقول ويبشّر بأن كلمة الله لم يلبس جسدًا ولا وُلد من العذراء البتول مريم، ولا توجد قيامة لأجساد البشر، أم إيمان النصارى الذين يقولون قد تجسّد الله الكلمة ووُلد من مريم، والموتى يقومون. يا الله، لا أعرف شيئًا، وفي بحر الانقسام غرقت، فعرّفني أنت الإيمان الصحيح، والذي بيديه شفاء ابني بإيمانه أؤمن وإلهه أعبد. فأنت الذي تقيمني من الشكوك، وإلى الطريق المستقيم اهدني».
فحذّره أتباع مرقيون قائلين: «لا يضلّك أتباع الناصري فتؤمن بالذي ولدته مريم، فلا يقدر أحد منهم أن يشفي مريضًا، فلا تسِر خلف تعاليمهم».
كلمة القديس مار أوكين
استأذن القديس مار أوكين الأب الأسقف مار يعقوب في الكلام، وأجاب قائلًا: «أقول قدّام جميعكم يا أحبائي: نحن بكلام كثير ليس فيه منفعة لا نستطيع أن نتكلم، ولكن بكلام الحياة ننطق باسم يسوع المسيح إلهنا الذي به نؤمن، المولود من مريم البتول ابنة داود كما تنبأ عنه جميع الأنبياء، وتألم بآلام الصليب من أجل خلاصنا، ونزل إلى الجحيم وخلّص آدم وكل ذريته، وبموته داس الموت وحطّم قوته، وبعد ثلاثة أيام قام من الموت وأقام كل طبيعتنا معه. وظهر لتلاميذه بعد قيامته أربعين يومًا يشرح لهم الأمور المختصة بملكوت الله، وأمرهم بألا يبرحوا أورشليم إلى أن يلبسوا قوة من الأعالي، ويمضوا ويتلمذوا جميع الأمم ويعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. فمن آمن واعتمد خلص، ومن لا يؤمن يُدَن.
وقال لهم مخلّصنا الصالح عند صعوده إلى السماء: «وهذه الآيات تتبع المؤمنين: يُخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة، يحملون حيّات، وإن شربوا شيئًا مميتًا لا يضرّهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون» (مر ١٦: ١٧-١٨). وكل شيء نسأله في الصلاة بقوة الروح القدس نناله، وخيالات السحرة وأوهامهم بقوة الصليب المقدس نُبطل. وأنتم يا أتباع مرقيون، إن كنتم على الإيمان الصحيح، فلنرَ قوة فعل إيمانكم هذا في شفاء الطفل».
ثم هزّ القديس أوكين رأسه وتبسّم قليلًا وقال: «نحن نقدر ونؤمن، ليس على قوتنا نتكل، بل على قوة اسم الخلاص الذي لربنا يسوع المسيح، الذي وعدنا بأن مهما سألنا في الصلاة باسمه يكون لنا، وقال لنا أيضًا: اسألوا تُعطَوا، اطلبوا تجدوا. فليس ببرّنا أو تقوانا نفعل ذلك، ولا من أجل وقارنا أو حشمتنا نُعطى سؤلنا، بل من أجل هذا الجمع القائم، لينظروا مجد الله، ويرجع غير المؤمنين عن ضلالة الشيطان إلى معرفة الإيمان الصحيح».
المعجزة التالية: عماد الطفل المشلول ←
المراجع
- كتاب سيرة القديس مار أوكين، لنيافة الأنبا متاؤس أسقف ورئيس دير السيدة العذراء (السريان)