سيرته

سيرة القديس أوكين (٢): على الجبل قرب نصيبين

على الجبل شرقي المدينة

سمع رؤساء المدينة كلام القديس مار أوكين وقالوا له: «إن كان هذا هو عملكم، قوموا وادخلوا معنا المدينة واسكنوا في وسطنا، لأن بيننا كثيرين محتاجين إلى أفعالكم». فقال لهم القديس: «اتركونا اليوم يا أحبائي، لأنه يوم الرب، يوم الأحد، ولا نستطيع أن نقضيه في الدخول إلى المدينة. بل إن أراد الله، غدًا نأتي إليكم».

وفي تلك الليلة ترك القديس المكان وتلاميذه معه، وصعد إلى جبل «درلا» شرقي المدينة. هناك وجدوا مغارة على رأس الجبل سكنوا فيها لمدة ثلاثين سنة، مواظبين على الأعمال الروحانية وتنفيذ الوصايا الإلهية. وسمع بهم كثيرون من مختلف البلاد واشتمّوا رائحة المسيح الزكية فيهم، فأتوا وسكنوا معهم خاضعين كلهم لتدبير القديس أوكين، وكثر عددهم حتى صاروا ثلاثمائة وخمسين رجلًا، متفقين بمحبة إلهية بغير غش أو رياء. وكان كل واحد منهم يحرص ويجتهد على أن يُظهر حسن سيرته وفضيلة تدبيره، وكانوا لا يفترون عن غسل أيدي وأرجل الغرباء الذين يأتون إليهم. وسُرّ السيد المسيح بأعمالهم وتدبيرهم، فأعطاهم قوة لشفاء المرضى وإخراج الشياطين وكل الأعمال الحسنة باسمه.

الملاك يأمره بالبشارة

ومن بعد ذلك الزمان أظهر الله للقديس مار أوكين ملاكًا قائمًا أمامه قائلًا له: «شُدّ وسطك مثل الجبار، وبشّر هنا ببشارة الملكوت، لأن الله قد سمع صلواتك وتضرعاتك أمامه من أجلهم. قم واعلن أنت وإخوتك اليوم، وأظهروا أنفسكم لكل الناس، ولا تخافوا من الذين يقتلون الجسد وليس لهم القدرة أن يقتلوا النفس أيضًا». فبعد ذلك نزل القديس والإخوة معه، وتلمذوا وعلّموا في المدن والقرى وكل الضياع، وأجرى الله على أيديهم عجائب كثيرة.

جرار الماء في مفارق الطرق

كان تلاميذ القديس أوكين يشترون جرارًا ويملأونها ماءً، ثم يضعون هذه الجرار في مفارق الطرق ليشرب منها كل المسافرين والمارين. كانوا يفعلون ذلك بكل همة ونشاط، مواظبين على ملء هذه الجرار ليُريحوا الغرباء والذين يأتون إليهم، فكان هذا عملهم وتدبيرهم.

التلميذ وحِمل القمح

في أحد الأيام مضى أحد تلاميذ القديس أوكين ليملأ جرته من النهر، وهناك صادف إنسانًا وقع حِمل القمح منه على الطريق، وكان رفقاؤه قد تركوه ومضوا، فبقي الرجل منتظرًا قدوم من يجيء ويرفع معه هذا الحِمل. وإذا تلميذ القديس قادم، فلما أبصره الرجل سأله قائلًا: «أعنّي وساعدني على رفع حِملي». فتقدم إليه التلميذ ورفعا الحِمل معًا، وكان ذلك الحِمل خمسة عشر قفيزًا (والقفيز مكيال قديم للحبوب) لا يقدر خمسة رجال أن يرفعوه. فلما رأى الرجل ذلك تعجب جدًا من التلميذ، وكيف رفعا معًا الحِمل دون الاستعانة برجال آخرين.

دخل الرجل المدينة فعنّفه سيده قائلًا له: «لأي سبب انقطعت عن رفقتك؟». فحدّث ذلك الرجل سيده بما حدث، وكيف وجد ذلك الرجل الصالح، وبقوة صلاته رفع الحِمل بلا تعب، فسبّحا الله. وكانت عجائب كثيرة تجري على أيدي تلاميذ القديس أوكين.

← الجزء الأول · تابع سيرة القديس ←

المراجع

  • كتاب سيرة القديس مار أوكين، لنيافة الأنبا متاؤس أسقف ورئيس دير السيدة العذراء (السريان)